|
الصوت والصدى : وقفات قصيرة مع كتاب عرب طور عابدين . |
|
|
|
الابحاث
|
|
الكاتب مجلس إدارة بني شيبان
|
|
السبت, 22 يناير 2011 21:52 |
..... بادئ ذي بَدْء، ومن غير مقدماتٍ، أحبُّ أن أبين للقارئ الكريم أن الكتاب الصدى هو (عرب طور عبدين: الموقع – التاريخ – الأصالة) تأليف عبد القادر عثمان، تقديم الدكتور سهيل زكار، الذي طبع (2009م). أما الكتاب الأصل فهو (تاريخ طور عبدين، تأليف أغنياطوس أفرام الأول برصوم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق 1887- 1957م) والمطبوع سنة 1924م) أي: بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد وقوع العالم العربي تحت نِير الاستعمار. ..... وقفة: العنوان غلط؛ لأن التاريخ والأصالة شيء واحد؛ ولو قال: الأصالة والمعاصرة، أو الحاضر والماضي، لكان أوفق. المنهج المدَّعَى والمنهج المتَّبَع: ..... المنهجُ المدَّعَى: أبدأُ من حيث انتهى المؤلف وختم كتابه (ص 150) ففيها إشارةٌ إلى منهجه، قال: «إن كل ما جاء في هذا الكتاب حول أصولهم [يقصد المسلمين والمسيحيين] وتاريخهم كان حقيقة موثقة، وليس مجرد كلام، وما هو مطلوب منهم اليوم أن يصلحوا ما وقعوا فيه من الأخطاء تتعلق بهذا الخصوص». .....ثم حاول في الصفحة نفسِها أن يبرِّئ نفسه من أيِّ تهمة قد توجه إليه، فقال: «وليس لهذا الكتاب أي توجهات مغلَّفة بأي دافع سياسي أو ديني معلن أو مستتر». ..... المنهجُ المطبَّق: بعد الاطلاع على الكتاب تبين أن المنهج الذي سار عليه وطبقه غير الذي ادعاه، فقد اعتمدَ منهج التزييف والتحريف في الجغرافيا والتاريخ، وخَلَطَ الحق بالباطل، وأتى بالمتناقضات، كما سيطلع القارئ على بعضها في الصفحات التالية. .....أما نفيُه أن يكون وراء الكتاب توجهاتٌ مغلفة فيحضرني في هذا المقام المثل القائل: كاد المريب أن يقول خذوني. ..... وسيكون النظر في الكتاب، باستثناء المباحث (8، 9، 10، 11) والملاحق، على مستويين: كلية عامة، وجزئية تحليلية.المستوى الأول: النظرة الكلية العامة (مصادر كتاب: عرب طور عبدين – من عناوين كتاب: تاريخ طور عبدين – مكونات عرب طور عبدين – أهداف كتاب: عرب طور عبدين)أولاً- مصادر كتاب (عرب طور عبدين): ..... يبلغ عددُ المصادر التي ذكرت في قائمة المصادر والمراجع (117) مصدراً ومرجعاً، لكن المفاجأة الكبرى أنَّ من بينها (74) مصدراً لم ينقل المؤلف منها حرفاً واحداً. أما الكتاب فليس فيه شيء جديد، وإنما هو صدى لكتب بعض القساوسة، التي كتبت ونشرت بعد وقوع البلاد العربية تحت نفوذ الاستعمار، حسب اتفاقية (سايكس – بيكو). وبعد أن خلا لهم الجوُّ بدؤوا ينشرون في العلن ما كان يقال في الخفاء، على حد قول طرفة بن العبد، وهو صبيٌّ صغير:يا لَكِ مِنْ قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ!..... خلا لكِ الجَوُّ فبِيضي واصفِرِيوأهمُّ تلك الكتب التي نَقَل منها المؤلف، هي: · تاريخ طور عابدين، للقس برصوم. (طبعة أولى1924) · القصارى في نكبات النصارى، للقس إسحاق أرملة. (طبعة أولى 1919م). لم يذكره في قائمة المصادر. · النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلة، للأب لويس شيخو اليسوعي. (وهو مكون من قسمين، صدر الأول منه 1919م وصدر الثاني 1923م) · كتاب الرؤساء، للقس توما المرجي. لم يذكره في قائمة المصادر. · حياة مار شمعون الزيتوني، للقس داود الحبسناسي. لم يذكره في قائمة المصادر. ..... وقفة: كُتُبٌ ذكرتْ في قائمة المصادر ولم ينقل منها المؤلف، وأخرى تُعد من المصادر الأساسية لم يذكرْها في قائمة المصادر. والهدف الأوحد وراء هذا وذاك إنما هو إخفاء الأثر. ولعل أهم كتاب اعتمد عليه هو كتاب: تاريخ طور عابدين، للقس برصوم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، وهو المقصود (بالصوت). ..... أما ما ذكر من رجال الدين النصارى فلا نقصد الإساءة إلى أحد منهم، وإنما كان ذلك من مقتضيات البحث. ثانياً- من عناوين كتاب (تاريخ طور عبدين): ..... يتألف كتاب: تاريخ طور عبدين للأب برصوم. من ثلاثين فصلاً، منها: الفصل الثاني: حدود الجبل، وسكانه القدماء، واسمه. ومما جاء فيه (ص 198) قوله: «وفيه [يقصد: طور عبدين] ناحيتان: إن الجغرافيين العرب أمثال أبي القاسم ابن خُرْدَاذْبُه سنة 848م يقولون: إن منطقة بيث ريشا، وبيث محلم (المحلمية) هي كورة في ديار ربيعة». ..... وقفة: في هذا النص ادّعاءان: الأول: نسبة هذا التقسيم والأسماء (بيث ريشا، وبيث محلم) إلى ابن خُرْدَاذْبُه وغيره. وهو غير صحيح، فلم يرد في كتبهم شيء من ذلك. ..... الادعاء الآخر:أن المحلمية منطقة، وليست عشيرة أو قبيلة. وهذا أيضاً غيرُ صحيح؛ لأن المحلميين عربٌ أرومة، ففي جمهرة اللغة لابن دريد. والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده. (مادة: حلم): «بنو مُحَلِّم قبيلة من العرب». إلا أن كثيراً منهم نشأ وتربى تربية كردية بحكم الجوار الطويل والمصاهرة، فظن الكثير لذلك أنهم أكراد. الفصل الثالث: تَنَصُّر سكان طور عبدين. الفصل الرابع: النساك الذين نبغوا في الجبل. الفصل السادس: مدن طور عبدين وقراه ودساكره. الفصل الثالث والعشرون: المحلمية. وقال فيه (ص 352): «المحلمية منطقة واسعة إلى الجهة الجنوبية من طور عبدين، وكانت فيها أكثر من خمسمئة قرية... [وبعد أن ذكر أسماء بعض القرى] قال: ومعظم سكانها كانوا سرياناً... ثم قال: حوالي سنة 1609م (ويظن في سنة 1583م) كثرت المظالم والضيقات على المسيحيين من قبل الحكام الأتراك الظالمين، اضطرت قبائل المحلمية، ومنها: أستل، والراشدية، والمكاشنية، وصورا، والأحمدي، ورشمل، وقبالا، ولاشتية، فاعتنقت الإسلام تخلصاً من الظلم». ..... وقفة: في هذا النص ادعاءان: الأول: أن المحلمية منطقة، تضم أكثر من خمسمائة قرية. وهذا شبيه بقول القائل: إن المحلمية تعني: (محل مائة بيت)، أي: أنَّ المحلمية ليست قبيلةً. وهذا منكرٌ من القول؛ لأن المحلميين لا يعرفون عن أنفسهم إلا أنهم عرب. ..... الادعاء الثاني: أن معظم سكان تلك المنطقة كانوا سرياناً، وأنهم اعتنقوا الإسلام تخلصاً من الظلم. إذاً الذين اعتنقوا الإسلام - حسب زعمه - هم سكان المنطقة، لا المحلمية كعشيرة كما يُرَوَّج، فتأمل. الفصل الثامن والعشرون: الحروب والمحن التي ثارت في طور عبدين. الفصل التاسع والعشرون: اضطهاد الأرمن والسريان سنة (1895). الفصل الثلاثون: الاضطهاد العنيف إبان الحرب الكونية الأولى. ومما جاء فيه (ص 368): «في نهاية تموز سنة 1914 نشبت الحرب العالمية الأولى... ثارت الضغائن التركية على الأرمن، فاضطرمت نارُ اضطهادٍ عنيف على جميع المسيحيين في الشرق... فدُمِّرَ السريانُ في نواحي ديار بكر بصورة خاصة، وقَتَلَ الأتراكُ والأكرادُ الألوفَ الكثيرة، كما استاقوا سبياً ألوفاً غيرها، وامتدت النار إلى طور عبدين». ..... ذكرت هذه العناوين والنصوص؛ لأنه سيكون لها صدى في كتاب عبد القادر. ثالثاً - مكوِّناتُ كتابِ (عرب طور عبدين): ..... باستثناء صفحات المصادر والفهرس يتألف الكتاب من (240) صفحة. منها (120) صفحة من وضع الدكتور سهيل زكار، وهي مكوَّنة من مقدمة، وثلاثةِ ملاحق، وبعضِ الخرائط. أما (120) صفحة الباقية فهي من تأليف عبد القادر، وهي المقدمة، ومدخل، و(11) مبحثاً. وسيلاحظ القارئ أن أكثر الكلمات وروداً فيها: النصارى، المسيحيون، الديورة. مقارنة بين عناوين كتاب (تاريخ طور عبدين) وعناوين كتاب (عرب طور عبدين) من فصول كتاب: تاريخ طور عبدين.... من مباحث كتاب: عرب طور عبدين 2- حدود الجبل، وسكانه القدماء، واسمه...1- منطقة طور عبدين: الموقع والسكان 3- تَنَصُّر سكان طور عبدين............... 2- وصول المسيحية إلى طور عبدين. 4- النساك الذين نبغوا في الجبل......... 3- حياتهم الاجتماعية والدينية قبل الإسلام 6- مدن طور عبدين وقراه ودساكره.... 4 - القرىوالبلداالمحلمية. .................................................. ...........6- منطقة بيت رشا. 23- المحلمية............................5- المحلمية. 28- الحروب والمحن التي ثارت في طور عبدين. 6- الفتن في طور عبدين وما حولها. 29- اضطهاد الأرمن والسريان (1895م).... 7- (ص 26، 103، 107). انظر هنا (ص 14- 16). 30- الاضطهاد العنيف إبان الحرب الأولى. ......................................... رابعاً - أهدف كتاب (عرب طور عبدين): ..... هدف المؤلف كما قال في المقدمة (ص 29) هو: «كشف كل ما تم إخفاؤه، وتصحيح ما حرف منه» أي: من تاريخ عرب طور عابدين. .....لَمْ يبينِ المؤلفُ من الذي أخفى وحرف، لكن سيرى القارئ أن المؤلفَ يمارس الإخفاء والتحريف عن سابق قصد وتصميم، لتحقيق أهداف مرسومة، فهو: 1- يؤرِّخ للنصارى في (طور عابدين) وهو اسم اخترعه النصارى، ثم روجوا له، كما اخترعوا بدلاً من المشرق الإسلامي أو العربي الشرقَ الأوسط؛ لأهداف خاصة. 2- يجعل من أطياف أهل المنطقة، الذي كانوا قبل الميلاد أو بعده، أو قبل البعثة أو بعدها، سواء أكانوا من العرب، أم الأرمن، أم من بقايا الفرس أو اليونان أو الرومان أو الصليبيين، يجعل من هؤلاء جميعاً عرباً مسيحيين. 3- يضخِّم من شأن جبل طور عبدين، علما أنه لم يكن شيئاً ذا قيمة في التاريخ. 4- يثير قضايا قديمة، ربما حركت فتناً نائمة، والمنطقة متوترة أصلاً. 5- يرجع بالمحلميين إلى أصول نصرانية سريانية؛ علماً أن التاريخ لا يذكر تَنَصُّر بني بكر ومنهم المحلميون، كما يذكر تنصر بني تغلب، والذي تقتضيه طبائع الأمور ألا يتنصر بنو بكر، ما دام قد تنصر خصومهم من بني تغلب. 6- يجعل من نصارى تلك المنطقة ضحايا الاضطهاد الإسلامي على مر العصور؛ فمن يقرأ: (المبحث الثاني: وصول المسيحية إلى طور عابدين. والمبحث الثالث: حياتهم الاجتماعية قبل الإسلام. والمبحث السادس: بيت رشا). يظن أنه يقرأ مرافعة لمبشر يذكِّر الآخرين بمظالم النصارى. وفيما يلي نموذج لذلك: ..... قال عبد القادر (ص57): «في عام (1167) «كان أهالي (باسبرين) من المسلمين والمسيحيين، ووقعت بينهم صدامات وخلافات... فقام وجهاء المسيحيين... وذهبوا جميعاً إلى كبار المسلمين (المالكين القدامى للقرية) وقالوا لهم: إما أن تشتروا أملاكنا أو تبيعوا أملاككم، فقبل المسلمون أن يبيعوا هم أملاكهم للمسيحيين بما في ذلك الكروم، والأراضي الزراعية، والآبار، والمساكن التي قدرت بمائة دار، فباعوها ورحلوا عنها إلى جهات أخرى، ولكنهم وجدوا صعوبة في العيش بعيداً عن ديارهم التي ألفوها، فأرادوا العودة إليها، فعرف المسيحيون بخبر عودتهم، وخوفاً من أن يقيموا في المنطقة ذاتها قام أهل باسبرين النصارى ببناء البقعة القريبة من باسبرين، وأعادوا بناء بعض القرى المهجورة، مثل استر (ساري) وسكنوها، ورمموا (القلعة الجديدة) الواقعة في تلك المنطقة، وأعادوا تحصينها تحسباً لأي هجوم يقوم به هؤلاء المسلمين أو غيرهم». [المصدر: عزيز جونيل: تاريخ السريان الأتراك (ط ديار بكر 1970 ص 282) تاريخ طور عبدين، ص 304] ..... وقفة: أورد الأب برصوم هذه الحكاية المفبركة في (الفصل الثالث عشر: أحاديث المؤرخين السريان عن أحداث طور عبدين. قرية باسبرين، ص 104- 105). ولم ترد في الحكاية لفظة (المسلمين) وبذلك كان برصوم ألطف في عبارته من عبد القادر، فهو كما يقول المثل: كاثوليكي أكثر من البابا. .....كذلك لم ترد فيها عبارة: «وقالوا لهم: إما أن تشتروا أملاكنا أو تبيعوا أملاككم، فقبل المسلمون أن يبيعوا هم أملاكهم للمسيحيين». وبذلك التمس العذر لهم حين منعوهم من العودة، لأن المسلمين باعوا أرضهم، وخرجوا برضاهم. ..... أما ما وراء ذلك من الحكاية فقد غير فيها عبد القادر أيضاً، فحرف وزاد وبدل. ويبدو أن الحكاية كلما أوردها كاتب عدَّل فيها وجَبَر نقصَها حسب اجتهاده، يقول برصوم: «وخوفاً من أن يعود السكان الذين باعوا أملاكهم لآل سابا الباسبريين إلى بقعة قريبة من قرية باسبرينا، ذهب الوجيه شمعون ابن الوجيه توما فأقام في تلك البقعة أبنية كثيرة ودوراً للسكن، وأعطاها لبعض سكان باسبرينا. وبالفعل عاد أولئك الذين كان سكانُ القرية يخشون شرهم، ومعهم أعوان كثيرون، وحاولوا مهاجمة باسبرينا، إلا أنهم أعيدوا على أعقابهم خاسرين». ..... وقفة: الظاهر من سياق قول برصوم أن تلك (البقعة) لم تكن ملكاً لأحد، ومع ذلك منعوهم، ويُفهم منه أيضاً أن الجماعة أُخرِجوا من قريتهم منذ البداية بالقوة، وإلا فلماذا الخوف من عودتهم إذا كانوا قد باعوا أرضهم وديارهم فعلاً؟ ولماذا المسارعة إلى بناء تلك البقعة غير المملوكة؟ ..... أمر أخر: قارنْ لترى كيف كان أداءُ عبد القادر أسوأَ من أداء من قلده. وهذه طبيعة التقليد والمقلدين دائماً. ثم لاحظ كيف يتلاعب بالنصوص لتحقيق هدف مرسوم. ..... تنبيه: هكذا النصارى دائماً، يجعلون من كل خلاف بين شخصين أو عائلتين مسألة طائفية. المستوى التحليلي: كواشف زيوف (طور عبدين بين مفهومين – تحريف النصوص وليُّ أعناقها – أخطاء علمية وتاريخية – آراء تثير الحقد والكراهية – تذبذب مفهوم المحلمية – سراب خادع - المسؤولية والنصيحة)خامساً - طور عَبْدِين بين مفهومين: ..... طور عبدين: مركب من جزأين، وهو اسم (بلدة)، قال ياقوت الحموي: «والطور (في كلام العرب): الجبل. وقال بعض أهل اللغة: لا يسمى طوراً حتى يكون ذا شجر. قال: «والطور: جبل بعينه، مطل على طبرية الأردن. ثم قال: «طور عَبْدين: بليدة من أعمال نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها المتصل بجبل الجودي، وهي قصبة كورة فيه». (الكورة:هي المحافظة في المصطلح الحديث. والقصبة: مركز المحافظة. والرستاق: المنطقة). ..... أما عند النصارى فهو اسم جبل، وعلى اسمه كتاب (تاريخ طور عبدين) للبطريرك برصوم، والذي قال فيه عن سبب تسميته (ص 199) نقلاً عن قصة (الكفاني): «عندما جاء الفرس، وطردوا اليونانيين من دارا ونصيبين وأطرافهما، واستولوا على شرقي الفرات، وتبدد المسيحيون الساكنون في منطقة طور عبدين (طور ابدين) والتحقوا باليونان... بعد ذلك مَلَكَ اليونانُ هذه المنطقة لينتقموا من الفرس وأثور ونينوى... وَسَبُوا خلقاً كثيراً من المجوس والوثنيين، وأسكنوهم في هذه المنطقة ... [لذلك] سمي هذا الجبل بجبل العبيد، لأنهم جيء بهم للعبودية والرق، فاتخذ الجبل اسمه من اسم العبودية... من أيام يوسطنيان». قيصر روماني عاش في القرن السادس الميلادي. ..... وقفة: يروج النصارى لهذا المفهوم على حساب اسم ديار بكر، وهذا ما سار عليه عبد القادر، وذلك منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما ضعفت الدولة العثمانية، وتدخلت روسيا والدول الغربية في شؤونها عن طريق سفاراتها التي تحولت إلى أوكار للمؤامرات، ولتحريك الأقليات الدينية والعرقية لإثارة الفتن، علماً أن ديار بكر أكثرُ شهرة وشمولية ودلالة على عروبة المنطقة ثم إسلامها، من طور عبدين. سادساً - تحريف النصوص وليُّ أعناقها: ..... تزوير الجغرافيا والتاريخ واللغة: أوهم عبد القادر القارئ في كل ما كتب أن المقصود من كلمة (الطور) حيثما وردت هو الجبل؛ لعدم وروده في النصوص، وفيما يلي نماذج من هذا التزوير والتحريف، فمما كتبه تحت عنوان: (منطقة طور عبدين): 1- قال (ص 36): «والطور في اللغة الآرامية اسم لكل جبل، ثم صار علماً لجبال بعينها، منها طور عبدين» ثم أحال إلى [المعجم الوسيط، مادة: طور]. ..... وقفة: لا يوجد شيء من هذا الكلام في (المعجم الوسيط)، فلماذا التزوير؟ تأمل. 2- وقال (ص 36): «وعابدين: (عين بعدها ألف ممدودة، وباء موحدة، ودال مهملة مكسورة، وياء) على لفظ الجمع، كلمة عربية، تعني العابد، وتأخذ معناها من العبادة، كما جاء في قوله تعالى: ]وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ[ [الأنبياء: 73] وطور عابدين اسم جبل يقع شمال شرق ماردين، وكان من بلاد نصيبين وكان من أكبر رساتيقها». [المصدر: ابن حوقل، صورة الأرض، ص 133] ..... وقفة: لم يقل أحد أن (عبدين) بالألف، فالقس برصوم أوردها بدون ألف، كذلك أوردها ياقوت الحموي مع الضبط هكذا (عَبْدين). فمن يحرف، أيها المجتهد؟ ..... قال: (عابدين... تأخذ معناها من العبادة). أما (الأب برصوم) فقد عللها بالاستعباد، قال عن الرومان: أنهم «سبوا خلقاً كثيراً من المجوس والوثنيين، وأسكنوهم في هذه المنطقة ... [لذلك] سمي هذا الجبل بجبل العبيد، لأنهم جيئ بهم للعبودية والرق». والآية لا تشهد له؛ لأن (عابدين) في الآية تعني: الموحدين. 3- وقال (ص 36): «وكان هذا الجبل على رأي قدامى المؤرخين والجغرافيين من بلاد العراق، (فقال قوم: العراق: الطور والجزيرة والعبر، والطور: مابين ساتيدما إلى دجلة والفرات» [المصدر: معجم البلدان، مادة طور والعراق] ..... وقفة: المقصود بالطور كما جاء في النص الذي نقله: «والطور: ما بين ساتيدما إلى دجلة والفرات»، وليس المقصود به (طور عبدين) لأن هذا مركب من جزأين، ولأنه جزء من الجزيرة. وكما بين ياقوت الطور هنا، بين العِبْر في موضع آخر، فقال: «العِبْر: قال هشام الكلبي: ما أخذ على غربي الفرات إلى برية العرب يسمى العبر». ..... ومقتضى العبارة التي نقلها ياقوت الحموي: أن العراق عند قوم يشمل جميع أراضي ما بين النهرين مع جزء من البر الواقع شرقي دجلة (الطور)، وجزء من البر الواقع غربي الفرات (العبْر)؛ لأن العراق تاريخياً – حسب الرأي الصحيح المشهور - كان يطلق على القسم الجنوبي من بلاد ما بين النهرين فقط، أي: ما كان يعرف ببابل. أما الجزيرة فكانت تطلق على القسم الشمالي منها المعروف ببلاد أشور. فلماذا ليُّ أعناق النصوص؟ 4- وقال: «وطور عابدين اسم جبل... وكان من بلاد نصيبين وكان من أكبر رساتيقها» ونسب الكلام إلى ابن حوقل. ..... وقفة: لم يقصد ابن حوقل (بطور عبدين) الجبل، بل قصد البليدة، قال في [صورة الأرض، ص 143]: «وأعمال نصيبين أربع قَسْم، لها أربعة من العمال [يقصد مناطق الخراج]... وكانت أعمال دارا في الربع الشمالي وطور عَبدين أيضاً وهو أعظم رساتيقها». فالخراج يجبى من البلدتين: دارا وطور عبدين، لا من الجبل. 5- وقال (ص 36): «وكان مالكو هذا الجبل قبل صعود بني شيبان إليه من العرب أيضاً، وكانوا من أهل الحضْر كما ذكر شيخو بقوله: (أهل حضْر كانوا من عرب قضاعة عليهم ملك يمتد ملكه في أنحاء الجزيرة، فقال عنه عدي بن زيد: وأخو الحضْر إذ بناه وإذ دجلةُ تجبى إليه والخابورُ» ..... وقفة: قال لويس شيخو: «عليهم ملكٌ يمتد ملكُه في أنحاء الجزيرة». ولم يقل أن ساكني هذا الجبل من الحضْر، فهو يقوِّل شيخو ما لم يقله، لحاجة في نفسه. ..... حقيقةُ الحضْر: قال ياقوت الحموي في [معجم البلدان، مادة: حضر 2/267]: «والْحَضْر: اسم مدينة بإزاء تكريت، في البرية بينها وبين الموصل والفرات... فأما في هذا الزمان فلم يبق من الحضْر إلا رسمُ السُّورِ وآثارٌ تدلُّ على عظم وجلالة». ثم ذكر أمر قضاعة. وقال الدكتور شوقي أبو خليل [أطلس التاريخ العربي الإسلامي،ص 24]: والحضر«تبعد 110كم جنوب غرب الموصل، وهي دولة عربية عاشت بين (50 ق م – 241م) حدودها: دجلة من الشرق، والفرات من الغرب، ومشارف المدائن من الجنوب، وشمالاً جبل سنجار. ومن حيث النفوذ شمالاً ما وراء سنجار حتى نصيبين والخابور». 6- ومن نماذج التحريف ما جاء تحت عنوان (العرب في طور عبدين. ص 38): قال: «وأيد الوجود القديم للعرب في هذه الأماكن [يقصد الجزيرة وطور عبدين] الطبريُّ بقوله: ثم عطف سابور نحو بلاد بكر وتغلب ما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام» «ويقول المسعودي إن سابور بن هرمز، المعروف بسابور ذي الأكتاف (310- 379م) كان قد أوقع هناك في العرب موقعة عظيمة، وذلك لأن القبائل العربية قد غلبت على سواد العرق، وأطبقت على البلاد» [عن جواد علي، المفصل في تاريخ العرب 2/636- 638] كون وجود العرب في هذه الأماكن قديمٌ، هذا صحيحٌ. ..... وقفة: لكن كِلا النصيْن لا يتحدثان عن الجزيرة الفراتية ولا عن طور عبدين، أما نص الطبري ففيه: إن إفساد وتدمير سابور كان في (أرض الشام)، والجزيرة ليست منها، يؤيد ذلك قول الطبري [التاريخ 2/57]: «... ثم أتى اليمامة... ثم أتى قرب المدينة فقتل مَنْ وجد هناك من العرب وأسر، ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب، فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام، فقتل مَن وجد بها من العرب، وسبى وطمّ مياههم» ..... كذلك المسعودي فقد بين أن ذلك التدمير قد وقع في سواد العراق. وسواد العراق هي ما دون الجزيرة من بلاد الرافدين. يؤيد ذلك تحديد (جواد علي) عهد سابور بين (310 – 379م) وكون ذلك في سواد العراق. وفي ذلك الوقت لم تكن بكر ولا تغلب قد وصلت واستقرت في الجزيرة. وهذا ما ذكره المسعودي [مروج الذهب 1/154] بقوله: «وكانت جمهرةُ العرب ممن غلب على العراق ولدَ إياد بن نزار». فتأمل كيف يتم تحريف التاريخ لأغراض مرسومة، وبناء على معتقدات مسبّقة. 7- وتحت عنوان (المحلمية، ص 66) كتب: «ويقول إبراهيم باشا، أحد أغوات الأكراد: (إن المحلمية الآن هم من الجنسين: العربي والكردي، وبعض النصارى الذين دخلوا الإسلام). ثم علق عليه بقوله: «ومن الواضح أن إبراهيم باشا قصد بكلامه المحلمية كمنطقة لا كقبيلة». ..... وقفة: وضع قول إبراهيم باشا بين علامتي التنصيص، ولم يذكر مصدره، وهو غير أمين على النقل؛ بناء على ما سبق. ومع ذلك إن صحت نسبة القول إليه فهو ترديد لما يقوله الناس. ثم متى صار الرجل – مع احترامنا الكامل له – مؤرخاً؟ ..... أما المحلمية فقبيلة يرجع نسبها إلى محَلِّم بن ذُهْل بن شيبان بن ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. وأما تفسيره (المحلمية) بالمنطقة فمما أخذه عن شيخه. 8- وتحت عنوان (منطقة بيث ريشا، ص 88- 89) كتب: «ليس نصارى (حبسناس) هم فقط من تأثر بالسريانية، بل تأثر بها أكثر المسيحيين العرب الذين جاورهم النصارى الذين يتكلمون السريانية، أو اختلطوا معهم في قراهم، وأطلق عليهم لفظة سريان فيما بعد، لا بل حتى بدايات القرن السابع عشر ميلادي كانت لغة أكثرهم العربية، كما جاء على لسان البدليسي في (الشرفنامه، ص 144) الذي ألفه عام (1005هـ) عندما قال: (وقلعة ايرده (ديرإده) نواحي طنزة من أماكن سكناهم وأكثر سكانها من الآرمان والنصارى ... وأكثر آرمان هذه الناحية يتكلمون اللغة العربية». ..... وقفة: تحريفان: الأول قوله: «حتى بدايات القرن السابع عشر ميلادي كانت لغةُ أكثرهم [يقصد المسيحيين العرب في بيت ريشا] العربيةَ، كما جاء على لسان البدليسي». لم يقل البدليسي هذا، وإنما تحدث عن (دير إده) فقال: «وبعض رعاياها من سكانها من العرب» وكلمة (المسيحيين) من زيادات عبد القادر. ثم قال عن الأرمن: «وأكثر أرمن هذه الناحية يتكلمون اللغة العربية». علماً أن المعروف عن الأرمن غير ذلك، فتأمل. ..... والتحريف الآخر: نسب إلى البدليسي أن أكثر سكان (دير إده) من الأرمن والنصارى). والذي قاله البدليسي «9- ناحية هيثم، وأكثر سكانها من الأرمن والنصارى». هكذا حرف كلامه وزاد عليه لحاجة في نفسه، وقوَّله في الأمرين ما لم يقله. ..... وإليك نص البدليسي كما أورده تحت عنوان: (الفصل الرابع: أمراء الجزيرة، ص 123- 124): «ولولاية الجزيرة هذه قلاع حسنة ونواح مرغوبة، نذكر منها أربع عشرة قلعة وناحية. (ثم ذكرها) إلى أن قال: «8- ناحية الطور. 9- ناحية هيثم، وأكثر سكانها من الأرمن والنصارى. 14- قلعة ديرده، التي هي من نواحي طنزة، وبعض رعاياها من سكانها من العرب، مثل الطهيري، وصفان، وبني عبادة. وأكثر أرمن هذه الناحية يتكلمون اللغة العربية». سابعاً - أخطاء علمية وتاريخية: 1- قال [في المقدمة، ص 29]: «التاريخ هو مجموعة أشياء كثيرة من بقايا وكتابات وآثار من الماضي». ..... وقفة: هذا ليس تعريفاً للتاريخ. التعريف الصحيح له: أن التاريخ هو الزمان وما وقع فيه من أحداث. أو هو فعل الإنسان في الزمان الماضي. أما (الأشياء الكثيرة من بقايا وكتابات وآثار) فهي من مصادر التاريخ، وليست من التاريخ، كما هو معروف. 2- وقال [في المدخل، ص 33 ] مستهزئاً: «باتت لفظة عرب وعروبة في نظر البعض صفة لا يحملها إلا كل من له بشرة سوداء، ويذكر جده الخامس، وأن يكون دينه الإسلام، وتحته فرس يمتطيها وحصان خلفه عربة تحمل حاجاته... متناسين أن العروبة يراد بها خصائص الجنس العربي، وهذا يعني كما وصفها البعض بأنها منظومة البناء المعرفي الأناسي، التي تحمل في مكوناتها جملة المواصفات المتمحورة حول أساس لغوي واحد، وجغرافية تاريخية واحدة، وتاريخ جغرافي واحد... ومرتكزات منظومة بذورها عقلية واحدة تتعدد مظاهر حركيتها...» إلى آخر هذا التعريف الهلامي الخرافي. ..... ثم قال في الفقرة التالية مباشرة: «والعرب هم أبناء عدنان وقحطان...» ..... وقفة: لم يذكر ذلك (البعض) الذي استهزأ بتعريفهم. وأغلب الظن أنه التقطه من الشارع من أفواه بعض الحاقدين. كما لم يذكر البعض الذي ارتضى تعريفهم، ولعله من شيوخه. ثم ناقض التعريف الذي ارتضاه فقال: «والعرب هم أبناء عدنان وقحطان...» هذا صحيح، ومع زيادة: وهم جنس من الناس، والأعراب سكان البادية منهم. 3- في (المبحث الثامن، ص 91) أرخ لوجود المحلميين في الجزيرة السورية بالحرب العالمية الأولى (1915م) وهذا غير صحيح؛ لأن كثيراً من قرى وعوائل المحلمية استقروا في الجزيرة السورية قبل ذلك التاريخ بوقت طويل جداً. 4- زعم أن (حرب البسوس) وقعت في الجزيرة الفراتية، واستشهد بقول ابن سعيد المغربي (ص 39): «وخرجت ربيعة عن أرجائه [يقصد البيت، الكعبة]، فتشتتت قبائلها، وتفرقت في البلاد، فاختص منهم تغلب وبكر بن وائل بأطراف نجد من شمال الحجاز وشرقه، والبلاد الجزرية والفراتية التي تعرف الآن بديار ربيعة، منها سنجار ونصيبين. ثم إن تغلب وبكراً وقعت بينهما حرب وائل، فانحازت بكر إلى الجبال، وهي جهات ماردين وميافارقين، فعرفت بديار بكر إلى اليوم. وسكن بنو عجل منهم مما يلي أرض العراق في جهات ذي قار وقراقر، وسكن بنو حنيفة باليمامة، وسكن عبد القيس بالبحرين، وسكن عنزة في جهة عبد القيس. (وقال بعده مباشرة): «وأيد كلام ابن سعيد في وقوع حرب البسوس على أرض الجزيرة الفراتية ما ذكره أحمد وصفي زكريا في كتابه عشائر الشام عندما قال: «وفي هذه الجزيرة حدثت وقائع بين قبائل ربيعة وأهمها بين بكر وتغلب، وهي حرب البسوس - ص 77). ..... وقفة: أما قول ابن سعيد فليس فيه ما يدل على أن الحرب وقعت في الجزيرة، وإنما هو يسوق الكلام كيفما اتفق، من غير اعتبار للترتيب الزمني، فهو يتحدث عن مواطن قبائل ربيعة، سابقاً في نجد، ولاحقاً في الجزيرة الفراتية، ذلك؛ لأن من أيام بكر وربيعة: يوم النَّهيّ: وهو ماء لشيبان. ويوم الذنائب: موضع بنجد. ويوم عُنيزة: موضع باليمامة. ويوم القصيبات: موضع باليمامة، وفيه قتل همام بن مرة. ويوم قِضَة أو التحالق (حلقوا شعورهم): وهو باليمامة، وهو آخر أيامهم. فهي كلها في نجد وما حوله. ..... أما قول (أحمد وصفي زكريا) فهو وهْمٌ منه، ربما وقع فيه بسبب قول البكري في [معجم ما استعجم 5/1362] لما ذكر أيام بكر وتغلب: «وهذه المواضع كلها في ديار بكر وتغلب» فهو لا يريد ديار ربيعة وبكر في الجزيرة الفراتية، إنما يريد (نجداً) وما حوله. ..... يؤكد هذا قول البكري نفسه [1/89]: «وظهرت تميم بن مر بن أد بن طابخة، وضبة بن أد بن طابخة، وعكل بن أد، إلى بلاد نجد وصحاريها، فحلّوا منازل بكر وتغلب، التي كانوا ينزلونها في الحرب التي كانت بينهم». 5- تناقضه في رسم الحدود، قال عن [طور عبدين، ص 35]: «وتمتد من حدود بازبدي شرقاً إلى حدود ماردين غرباً، ومن حدود حصن كيفا شمالاً إلى حدود دارا جنوباً». ثم قال عن [بيت محلم، ص 63]: «وكانت تقع في المنطقة الممتدة من حصن كيفا شمالاً إلى حدود دارا جنوباً، ومن حدود بازبد شرقاً إلى حدود ماردين غرباً». ..... وقفة: تحديده لبيت محلم جاء مطابقاً لتحديده لطور عبدين، فكيف يكون الجزء مساوياً للكل؟! يبدو أن المسلمات العقلية صارت موضع شك في هذه الأيام. 6- في معرض حديثه عن باسبرين، قال (ص 92): «وسبرين اسم علم عربي... وهناك محدث اسمه (ابن سبرين) وهو من قال: أَقْعصَ أبناءُ عفراء أبا جهل». .....وقفة: شر البلية ما يضحك، واضحك ما وسعك الضحك؛ لأن الحقيقةَ غيرُ ذلك تماماً، ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن سيرين [بياءين] في حديث مرسل: «أَقْعَصَ ابنا عفراء أبا جهل وذَفَّف عليه ابن مسعود)، أي: أجهز عليه، كان ذلك في بدر. والقَعْص: القتلُ المعجَّل. ضربه فأَقْعَصَه، أي: قتله مكانه. [لسان العرب، والنهاية في غريب الحديث، مادة: قعص] هكذا صار (ابن سيرين) (ابن سبرين) و(ابنا) عفراء (أبناء). 7- في (ص 99) نسب إلى عباس العزاوي القول: «وزبيد قبيلة قحطانية سكنت العراق، والجزيرة الفراتية أوائل الفتح الإسلامي» [عشائر العراق، ط، لندن، 2/31] ..... وقفة: هذا تحريف لقول العزاوي فالذي كتبه العزاوي: «والعشائر الزبيدية من العشائر القحطانية، منتشرة في مواطن عديدة، وتاريخ ورودها إلى العراق يرجع إلى أوائل الفتح الإسلامي... ولا تزال بعض أصولها أو عشائرها في جزيرة العرب». لكن بقدرة القادر، ثم بفعل عبد القادر صارت (جزيرةُ العربية) (الجزيرةَ الفراتية) وقال عن (ابن سيرين) (ابن سبرين). لماذا هذا التحريف، ولصالح مَنْ؟ يمكن القول إن هذا من باب: الحب الأعمى، أو من باب: الكره الأعمى؛ فكلا الأمرين يجتمعان هنا. والسؤال الثاني: ماذا فعل المراجع، أم صادف تحريفُ عبد القادر قلباً (؟) فتمكَّن؟ ..... وفي الصفحة نفسها تكلم عن سبب تسمية بازبدي بكلام، لا خِطام له ولا زِمام. ثامناً - أفكارٌ – مع بطلانها - تثيرُ الحقد والكراهية: ..... يعيش الناس في القرن الحادي والعشرين حيث يُرْفَع شعارُ: حوارُ الأديان، وحوار الحضارات، بل شعار التقارب على كل الأصعدة، ومع ذلك فهناك من لا يسمع الصوت، ولا يروق له العيش إلا خارج الزمن والواقع، فينبش الماضي وينكأ الجروح؛ فيعكّر بفعله جوَّ التعاون والتسامح بين أبناء البلد الواحد، من حيث يدري أو لا يدري. ..... يقول الدكتور سهيل زكار (25- 26): «ونجح الأكراد الذين سلحتهم أوربا ومولتهم، وشجعتهم السلطنة العثمانية في إبادة السريان أو إجلائهم عن الشمال العراقي، في معظم ما بات يعرف الآن باسم كردستان العراق، وقبيل مطلع القرن العشرين تشكلت في أيام السلطان عبد الحميد وحدات عسكرية عرفت باسم الفرسان الحميدية، كان جُلّ عناصرها من الأكراد، أبادت الأرمن، وأرغمت بقايا الأحياء منهم على الهجرة إلى سورية، وكذلك أوقعت بالسريان مذابح، وكان مسرح نشاطات هؤلاء الفرسان من ديار بكر، فماردين حتى أنطاكية، أي الأراضي الجزرية التي احتلها الأتراك بعد سقوط السلطنة العثمانية. ..... «وبعد وقوع سورية تحت الانتداب الفرنسي شجع الألمان والفرنسيون الأكراد على الاستيلاء على قسم الجزيرة السوري، واقتلاع السريان منه... واستغلوا ما لحق بالقبائل العربية في المنطقة إثر تطبيق قانون الإصلاح الزراعي وتدمير البنية القبلية العربية... مع التذكير بأن الفكر القومي العربي لم يكن عنصرياً في يوم من الأيام». ..... وقفة: لكل حدث تاريخي لا بد له من سبب، والدكتور سهيل أول من يعرف ذلك، ومن الإنصاف - وهو مقتضى أمانة الكلمة وأمانة التاريخ - ذكر السبب والنتيجة معاً، وبدون زيادة، لذا ما كان ينبغي للدكتور سهيل أن ينزلق إلى هذا المنحدر من المغالطات والمبالغات، التي لا تخفى على أحد من أبناء الجزيرة على تنوع أطيافهم ومشاربهم. ..... وفي الصفحة نفسها يقول الدكتور سهيل زكار: «أفضل مصدر حول هذه المذابح هو كتاب إسحاق أرملة: القصارى في نكبات النصارى». ..... وقال عبد القادر (ص 103): «وكانت هناك فتنة أخرى مدبرة وقعت عام (1915) في منطقة ديار بكر، عرفت بالفرمان» ثم قال في (ص 107): «ونتج عن تلك الفتنة نزوح كبير للمسيحيين، واليزيديين عن المنطقة باتجاه الجزيرة السورية». ..... وقفة: لم ينته الحديث عن مذابح الأرمن حتى أضيف إليها مذابح السريان وتهجير اليزيديين. وفي الوقت الذي يبكي فيه الباكون على الأرمن ينسون تكالب الغرب المسيحي (روسيا والنمسا وإنكلترا وفرنسا...) على تركة (الرجل المريض) والذي كان من أدواته الأقليات الدينية والعرقية بأطيافها كالمسيحية، والأرمنية، والصرب، وسكان الجبل الأسود وغيرهم، لزعزعة الاستقرار والأمن في البلاد، وبالتالي إيجاد ذريعة للتدخل. ..... وما حصل للأرمن مع ما فيه من تضخيم لم يكن في عهد السلطان عبد الحميد، إنما كان في عهد جماعة الاتحاد والترقي، الذين تسلطوا على الحكم منذ سنة (1908م). وما حصل لهم كان بتواطؤ الغرب مع حكام تركيا الجدد، ليسوغوا حروبهم الاستعمارية، كما فعلت أمريكا والغرب مع العراق وغيره في هذه الأيام. ونحن هنا نفسر ولا نسوغ. ..... وقال عبد القادر (ص 107 وبعد دخول الحلفاء آستانة عام 1924م): وقعت «فتنة جديدة التهمت نارها كل منطقة ديار بكر، وكانت هذه المرة بين المسلمين أنفسهم، بين رجال دين مسيسين ورجال السلطة الجدد. عرفت بحركة الشيخ سعيد، شيخ الطريقة النقشبندية، وكانت حركة دينية مغلفة بدوافع سياسية، نتج عنها سفك دماء جديدة، وإعدام الشيخ سعيد». ..... وقفة: هكذا يسمي مقاومة العلماء للمحتل الغازي وأذنابه فتنة، وبذلك يبرِّئ كمال أتاتورك المعروف بعدائه الشديد للإسلام من فظائعه، التي يعاني من آثارها العالم الإسلامي حتى اليوم، والتي منها تعليق العلماء على أعواد المشانق، ومنهم الشيخ سعيد (لماذا لم يذكر غيره؟). ثم يتهم العلماء المقاومين للمشروع الغربي في تركيا بأنهم مسيسين، في الوقت الذي يجعل من النصارى ضحايا ومظلومين، سواء وجدت مناسبة أم لم تجد. ..... من الأمور المعروفة أن مصطفى كمال كان ينفذ مخططاً مرسوماً له، فقد فرض الغرب على تركيا معاهدةَ (لوزان) (1923م) وعرفت شروطها الأربعة باسم (كرزون) رئيس الوفد الإنكليزي، وهي كما في [موسعة التاريخ الإسلامي، للشلبي 5/920]: (1) قطع كل صلة لتركيا بالإسلام. (2) إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تاماً. (3) إخراج الخليفة وأنصار الخلافة والإسلام من البلاد، ومصادرة أموال الخليفة. (4) اتخاذ دستور مدني بدلاً من دستور تركيا القديم. ..... شِنْشِنة أعرفُها من أخْزَمِ: أما إسحاق أرملة في كتابه (القصارى في نكبات النصارى) الذي أشاد به الدكتور زكار، فأقواله، وأقوال البابا، والصُّوَر الكاريكاتيرية، التي أسيء فيها لرسول الله r، وما فعله الصرب في البوسنة والهرسك، والأميركان وغيرها، تصدر من مشكاة واحدة، تنضح بالحقد والكراهية، فمثلهم كمثل أخزم وولده، كان لأبي أخزم ابنٌ يقال له أخزَم، فمات وترك بنينَ فتوثّبُوا يوماً على جدهم فأدمَوْه، فقال:إنّ بَنِيَّ ضرّجوني بالدَّمِ .....شِنْشِنة أعرفُها من أخْزَمِِ..... وروح الكتاب عموماً يتجه إلى أن يجعل من النصارى ضحايا للمسلمين والأكراد (وهم مسلمون). وبذلك يغذِّي الطائفية والعنصرية، قصد الكاتب ذلك أم لَمْ يقصد. تاسعاً – تذبذب مفهوم المحلمية: ..... اضطرب عبد القادر في بيان المقصود من المحلمية: فهو مرة يعتبر المحلمية منطقة، تضم أناساً من عناصر شتى، تبعاً للأب برصوم. وتارة يعتبرها قبيلة، كما هي في الحقيقة والواقع، نسبة إلى جدهم الأعلى (محلِّم بن ذهل بن شيبان)، وإذا تحدث عنهم كقبيلة أثار الشكوك حول قدم إسلامهم، وأنهم ما دخلوا الإسلام إلا مؤخراً، وتحت سيف الإكراه. ..... قال في (ص 61): «وقد أسهم وصول هؤلاء النصارى الناطقين بالسريانية إلى منطقة طور عابدين في تقسيمها إلى منطقتين: منطقة للمحلمية يقطنها العرب، ومنطقة بيث ريشا يقطنها المسيحيون والأكراد الذين أتي بهم من مناطق أخرى». ..... وقفة: فتسمية المنطقة بالمحلمية من فعل النصارى، ومقتضاه أن المحلمية ليسوا قبيلة، وبذلك يتبع القس برصوم،كما يتبع الظل صاحبه، في تقسيمه المنطقة إلى: بيث محلم، وبيث ريشا. بل أكثر من التبعية؛ فهو يتماهى فيه كلَّ التماهي، فيستعمل لفظ (بيث) و(مدياث، ص 89) بالثاء (المثلثة) بدل التاء. لماذا؟ ربما ليعبر عن صدق ولائه، أو ليكسب رضا من لا يفارقون خياله حتى وهو يكتب، أو ليحقق هدف مرسوماً، أو ذلك كله. ..... لكن إذا تحدث عنهم كقبيلة رجع بأصولهم إلى المسيحية والسريان، ففي معرض الحديث عن رحلته إلى طور عابدين قال: إنه كان يسأل الناس عن أصول المحلميين، أما الإجابات مع تنوعها فكانت تصب في خانة أنهم كانوا نصارى وأسلموا: ..... فقال بعضهم (ص 31): «أنهم عرب.. ولكنهم كانوا نصارى وأسلموا». ...... ثم قال (31- 32): «وأما النصارى الذين يتكلمون اللغة العربية... فمنهم من قال: بأنهم والمحلمية من أصل واحد، ومن الجد نفسه.. وأما من كانت منهم لغته الأصلية السريانية... فقالوا عنهم: بأنهم سريان آراميين جنساً حتى وإن اختلفت لغتهم، لا بل حتى أن البعض منهم عدّ المحلمية من السريان وفقدوا لغتهم السريانية بعد دخولهم الإسلام». هكذا يلقي الشبهة دون تعقيب أو تعليق. ..... وقفة: ذكر تلك الأقوال، وأرسلها دون أن يرد عليها. والسؤال: يا أبا الحقائق الموثقة، متى كان كلامُ العوام وثائقَ، أو كان مصدراً للحقائق؟ ومتى كان قول غير المسلمين حجة على المسلمين، خاصة في المسائل الدينية؟ ..... المحلمية أسلموا تحت الإكراه: قال تأكيداً للأقوال السابقة (ص 51): «وصحيح أن الجماعات غير الإسلامية كالمسيحية مثلاً كانت تتعرض، وخلال الأدوار التاريخية المتعاقبة، وضمن السيادة الإسلامية، وبين الحين والآخر، لبعض المتاعب والمشاكل... ثم قال: ولا يمكن القول إنه لم تكن هناك بعض المحاولات من قبل بعض الولاة من المسلمين لحمل أهل الكتاب، وخاصة النصارى منهم على الدخول في الإسلام». ..... وقال (ص 82): «وأهلها [يقصد حبسناس] عرب مسلمون ونصارى... واللغة السريانية تعلموها في قرية (ميدن) التي نزحوا إليها على إثر الضغوطات التي تعرضوا لها من قبل أحد ولاة المنطقة؛ لإدخالهم في الإسلام، حسب زعمهم...». ..... وقفة: ادعاء باطل يدخل تحت باطل أكبر، هو انتشار الإسلام بالسيف. أما القول بعدم الإكراه فعنده من المستحيلات، لأن محاكم التفتيش أصدق شاهد على ذلك [!] ..... لكن سرعان ما ناقض نفسه، فقد نقل عن ابن حزم (ص 52) قوله: «أخبرني قوم من أهل الجزيرة: أن قوماً أسلموا، ثم لم يمكثوا إلا قليلاً حتى ارتدوا، فكتب فيهم ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر بن عبد العزيز: أنْ ردّ عليهم الجزية، ودعْهم». ..... كذلك ناقضها لما أشار إلى فتوى الشيخ فتح الله العينكافي (ص 107) التي «تحرم قتل النصارى أو الاعتداء عليهم، وعلى أموالهم وأعراضهم». ..... رمتني بدائها وانسلت: ما يعرفه الناس حتى يومنا هذا عن النصارى خلاف ما يُدَّعى، فهم الذين يمارسون الضغط والعنف وحتى القتل إن تمكنوا مع أتباعهم؛ لمنعهم من الدخول في الإسلام. فكم من نفوس أزهقت في هذه الجزيرة؛ لا لشيء إلا لأنهم أسلموا، وما أسلموا إلا بكامل حريتهم! عاشراً- سراب خادع: ..... قال في [الخاتمة، ص 150]: «إن كل ما جاء في هذا الكتاب حول أصولهم [يقصد المسلمين والمسيحيين] وتاريخهم كان حقيقة موثقة، وليس مجرد كلام». ..... وقفة: لما تحدثَ عن الحقائق قلتُ في نفسي: لا بد أن الرجل قد وقع على كنز كبير منها، ربما وقع على رُقُم كرقم أوغاريت (رأس شمرا)، أو ماري (تل حريري)، أو إبلا (تل مرديخ). لكن بعد أن اطلعت على الكتاب خابت ظنوني، وإذا الحقائق المزعومة سراب خادع، وإذا بأبي الوثائق ليس في جعبته إلا كلام العوام، وكلام القس برصوم في (تاريخ طور عبدين) والقس إسحق في كتاب (القصارى في نكبات النصارى) وغيرهما. ..... ولا أدري متى كان كلام هؤلاء حقائق ووثائق؟ وفي أي شرع سماوي أو أرضيتقبل شهادة مَنْ بينك وبينه خصومة أو بعض عداوة؟ ..... إنه الهراء، ليس إلا. وما مثلي ومثل حقائقه التي خُدعِتُ بها، وربما خُدع بها غيري، إلا كما قال الشاعر: فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كقابضٍ..... على الماء خانَتْه فروجُ الأصابعِحادي عشر – المسؤولية: ..... بعد صدور كتاب (عرب طور عبدين)، والاطلاع على ما فيه من ترهات وتحريفات مما ذكرناه، وما ذُكِر ليس كل ما في الكتاب، بل بعضه، و«يَكفيِك مِنَ القِلادة مَا أحَاط بالعُنق». والمسؤول عنه - أولاً وآخراً - هو مؤلفه وشركاؤه. ..... وفي النهاية: ليس الهدف التشهير بأحد، وإنما هو الدفاع عن ديننا، وأصولنا، وتاريخنا، ووحدتنا الوطنية من أن يعبث بها عابث.*** *** *** الأربعاء 12/جمادى الأول/1430هـ /6/5/2009م |